رمضان شهر الخير والبركات

رمضان كريم
תאריך: 19/05/2019

الحمد لله الكريم الحليم، ذي الفضل العميم، والعطاء الواسع الجزيل، والصلاة والسلام على نبي الأمة الكريم محمد بن عبد الله الذي أرسله الله رحمه للعالمين صلى الله عليه وآله وصحبه أجمعين. 

وبعد: فاعلموا أيها المؤمنون: أن أيام العمر معدودة، وساعاتها محدودة، فمن قدم الزاد لنفسه وجد الخير الكثير عند ربه، قال تعالى: {فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى . وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى . فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى})[الليل: 5 - 7]. وسوف يتحسر العباد يوم الحسرة والتناد على ما فرطوا في جنب الله، {أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ} [الزمر: 56]. وتقول حين ترى صحائف الأعمال فارغة من الصالحات: {يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي} [الفجر: 24]. 

عباد الله: اعلموا أن رمضان فيه أبواب للخير كثيرة تحتاج منا إلى الحرص عليها، والمبادرة إلى كسبها، والتنافس في تحصيلها، ففيه الصيام، وفيه القيام، وفيه البذل، وفيه إفطار الصائمين، وفيه تلاوة القرآن العظيم، وفيه عتق الرقاب من النار، فعلى المسلم أن يبذل جهده، ويكثر من سعيه من أجل تحصيل الثمرة، ولا يتكاسل قبل فوات الأوان، ويمر شهر رمضان فيندم على تفريطه، ويتحسر على إضاعته. 

 لقد دخل رمضان ليربي النفوس على التقوى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [البقرة: 183]، فالصيام يربي المسلم على الخوف من الله ومراقبته، والعمل على إرضائه، وبذل الجهد من أجل تحصيل جنته. فحينما يقول المؤذن (الله أكبر) فجراً من رمضان فمعناها (الله أكبر من كل شيء)، وهنا يمسك المسلم عن الطعام والشراب وعن كل شيء يخدش صيامه، فليست المسألة مسألة ترك الشهوات فقط، بل كل ما يشوش العقل أو يلوث الروح، أو يؤثر على العواطف، كل شيء ينبغي أن يبتعد عنه الصائم كي يحفظ صيامه من النقص، وصدق الحبيب صلى الله عليه وسلم حين قال: «من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه» [رواه البخاري]. 

وإذا قال المؤذن: الله أكبر عند غروب الشمس يتذكر المسلم عظمة الخالق الذي صام طاعة له، وهنا يفرح بإتمام يوم من صيامه، ويفرح بطاعة ربه، ويفرح بما أعده الله له، وصدق الحبيب صلى الله عليه وسلم: «للصائم فرحتان: فرحة عند فطره، وفرحة عند لقاء ربه» [متفق عليه]. 

عباد الله: إن في الصيام استعلاء على الشهوات، وترفعاً عن سفاسف الأمور، ووصولاً إلى مدارج التقوى، في الصيام تمسك الجوارح عن كل مؤثر على الصوم، يصوم البصر عن نظر الحرام، ويصوم اللسان عن قول الزور، ويصوم السمع عن سماع الأغاني والألحان، ويصوم البطن عن أكل الحرام، ويصوم الفرج عن الوقوع في الزنا والآثام، وتصوم الجوارح كلها عما يصدها عن عبادة الرحيم الرحمن. فالمؤمن يتقلب بين فضائل ربه، ويعلم قيمتها وثمنها، ويبادر إلى شكرها. 

أيها الصائمون والصائمات: 

هنيئاً لكم أن بلغكم الله هذا الشهر المبارك، وهنيئاً لكم ما بشركم به نبيكم صلى الله عليه وسلم لمن يجتهد فيه بالأعمال الصالحة، قال صلى الله عليه وسلم: «أظلكم شهركم هذا بمحلوف رسول الله صلى الله عليه وسلم ما مر بالمسلمين شهر خير لهم منه، ولا مر بالمنافقين شهر شر لهم منه، بمحلوف رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الله ليكتب أجره ونوافله قبل أن يدخله، ويكتب إصره وشقاءه قبل أن يدخله، وذلك أن المؤمن يعد فيه القوت والنفقة للعبادة، ويعد فيه المنافق اتباع غفلات المؤمنين واتباع عوراتهم، فغنم يغنمه المؤمن» (رواه ابن خزيمة، وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب والترهيب ج1 رقم 590). فاللهم إنا نسألك باسمك العظيم، الذي إذا دعيت به أجبت، وإذا سئلت به أعطيت، أن تمن علينا بالعون فيه على طاعتك، وأن توفقنا فيه إلى مرضاتك، وأن تجعلنا ممن يصومه ويقومه إيماناً واحتساباً، وأن تبارك لنا فيه يا أكرم الأكرمين، وأن تجعله حجة لنا بين يديك يوم نلقاك، وأن تعتق فيه رقابنا من النار ووالدينا وجميع المسلمين. هذا وصلوا وسلموا على الحبيب المصطفى فقد أمركم الله بذلك فقال جل من قائل عليماً: {إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً} [الأحزاب: 56].